الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
55
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تناذرها الرّاقون من سوء سمعها أي من سوء طاعتها للرقية ، أي عدم نجاح الرقية في سمّها . وعقّب ذلك بالأمر بالتّقوى ؛ لأنّ النعمة تستحقّ أن يشكر مسديها . وشكر اللّه تقواه . وجملة إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تذييل للتحذير من إضمار المعاصي ومن توهّم أنّ اللّه لا يعلم إلّا ما يبدو منهم . وحرف ( إنّ ) أفاد أنّ الجملة علّة لما قبلها على الأسلوب المقرّر في البلاغة في قول بشّار : إنّ ذاك النجاح في التبكير [ 8 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 8 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 ) لمّا ذكّرهم بالنّعمة عقّب ذلك بطلب الشكر للمنعم والطاعة له ، فأقبل على خطابهم بوصف الإيمان الذي هو منبع النعم الحاصلة لهم . فالجملة استئناف نشأ عن ترقّب السامعين بعد تعداد النعم . وقد تقدّم نظير هذه الآية في سورة النساء ، ولكن آية سورة النساء [ 135 ] تقول : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وما هنا بالعكس . ووجه ذلك أنّ الآية الّتي في سورة النّساء وردت عقب آيات القضاء في الحقوق المبتدأة بقوله : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [ النساء : 105 ] ، ثمّ تعرّضت لقضية بني أبيرق في قوله : وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [ النساء : 105 ] ، ثمّ أردفت بأحكام المعاملة بين الرّجال والنّساء ، فكان الأهمّ فيها أمر العدل فالشهادة . فلذلك قدّم فيها كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [ النساء : 135 ] ؛ فالقسط فيها هو العدل في القضاء ، ولذلك عدّي إليه بالباء ، إذ قال : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [ النساء : 135 ] . وأمّا الآية الّتي نحن بصدد تفسيرها فهي واردة بعد التذكير بميثاق اللّه ، فكان المقام الأوّل للحضّ على القيام للّه ، أي الوفاء له بعهودهم له ، ولذلك عدّي قوله : قَوَّامِينَ باللام . وإذ كان العهد شهادة أتبع قوله : قَوَّامِينَ لِلَّهِ بقوله : شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ، أي شهداء بالعدل شهادة لا حيف فيها ، وأولى شهادة بذلك شهادتهم للّه تعالى . وقد حصل